المصحف مسموعا للشيخ خليل الحصري
سورة الفاتحة /سورة البقرة /سورة آل عمران /سورة النساء /سورة المائدة /سورة الأنعام /سورة الأعراف /سورة الأنفال /سورة التوبة /سورة يونس /سورة هود /سورة يوسف /سورة الرعد /سورة إبراهيم /سورة الحجر /سورة النحل /سورة الإسراء /سورة الكهف /سورة مريم /سورة طه /سورة الأنبياء /سورة الحج /سورة المؤمنون /سورة النّور /سورة الفرقان /سورة الشعراء /سورة النّمل /سورة القصص /سورة العنكبوت /سورة الرّوم /سورة لقمان /سورة السجدة /سورة الأحزاب /سورة سبأ /سورة فاطر /سورة يس /سورة الصافات /سورة ص /سورة الزمر /سورة غافر /سورة فصّلت /سورة الشورى /سورة الزخرف /سورة الدّخان /سورة الجاثية /سورة الأحقاف /سورة محمد /سورة الفتح /سورة الحجرات /سورة ق /سورة الذاريات /سورة الطور /سورة النجم /سورة القمر /سورة الرحمن /سورة الواقعة /سورة الحديد /سورة المجادلة /سورة الحشر /سورة الممتحنة /سورة الصف /سورة الجمعة /سورة المنافقون /سورة التغابن /سورة الطلاق /سورة التحريم /سورة الملك /سورة القلم /سورة الحاقة /سورة المعارج /سورة نوح /سورة الجن /سورة المزّمّل /سورة المدّثر /سورة القيامة /سورة الإنسان /سورة المرسلات /سورة النبأ /سورة النازعات /سورة عبس /سورة التكوير /سورة الإنفطار /سورة المطفّفين /سورة الإنشقاق /سورة البروج /سورة الطارق /سورة الأعلى /سورة الغاشية /سورة الفجر /سورة البلد /سورة الشمس /سورة الليل /سورة الضحى /سورة الشرح /سورة التين /سورة العلق /سورة القدر /سورة البينة /سورة الزلزلة /سورة العاديات /سورة القارعة /سورة التكاثر /سورة العصر /سورة الهمزة /سورة الفيل /سورة قريش /سورة الماعون /سورة الكوثر /سورة الكافرون /سورة النصر /سورة المسد /سورة الإخلاص /سورة الفلق /سورة النّاس

الأربعاء، 13 أكتوبر 2021

السجود لله عز وجل قرب وقربة

بسم الله الرحمن الرحيم

السجود لله عز وجل قرب وقربة

الحمد لله الذي يسجدُ لعظمته وجلاله وكبريائه كلُّ مخلوقاته؛ قال الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ [الحج: 18]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [النحل: 49]؛ فالمؤمنون والملائكة يسجدون لله طوعًا واختيارًا، والكافرون يسجدون لله كرهًا واضطرارًا؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾ [الرعد: 15].

والسجود عبادة جليلة لا تُصرَف إلا لله وحده؛ قال عز وجل: ﴿ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾ [النجم: 62]؛ فلا يُعبَدُ ولا يُسجَدُ لشيءٍ من المخلوقات مهما كبرت وعظُمت؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [فصلت: 37].

ومَن استولَتْ عليه الشياطين، زيَّنت له السجود لغير الله؛ قال الله عز وجل: ﴿ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ [النمل: 23، 24]، وما أكثرَ الذين استولت عليهم الشياطين في عصرنا، وزيَّنت لهم السجود لغير الله؛ كمن يسجدون للشمس أو القمر، أو النار أو البقر، وغيرها.

ومَن تكبَّر عن السجود لله في الدنيا، فلن يستطيع السجود في الآخرة إذا دُعِيَ لذلك؛ قال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾ [القلم: 43].

والشيطان إذا رأى ابن آدم ساجدًا لله اعتزل يبكي؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله قال: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتَزَلَ الشيطان يبكي يقول: يا ويله! أُمر ابنُ آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيتُ، فلِيَ النار))؛ [أخرجه مسلم].

السجود لله من صفات المؤمنين الذين يبتغون رضا الله عنهم والفوز بالجنة؛ قال الله عز وجل: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ [الفتح: 29].

فيا سعادة مَن سجد لله جل جلاله، فأول سعادةِ سحَرةِ فرعون سجودُهم لله جل جلاله؛ قال عز وجل: ﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾ [الشعراء: 46 - 48]؛ قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "ولما عَلِمت السحرةُ صِدْقَ موسى وكَذِبَ فرعون، خرُّوا سُجَّدًا لربِّهم، فكانت تلك السجدة أولَ سعادتهم، وغفران ما أفنَوا فيه أعمارَهم من السِّحْر".

للسجود لله عز وجل فضائلُ، منها:

أنَّ مَن سَجَدَ لله عز وجل، فلن تأكل النار أَثَرَ سجودِه

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((تأكل النار من ابن آدم إلا أَثَر السجود؛ حرَّم الله على النار أن تأكل أَثَر السجود))؛ [متفق عليه]

 

ومنها أنَّ كثرة السجود سببٌ لدخول الجنة 

عن ربيعة الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آتيه بوَضُوئه وبحاجته، فقال لي: ((سَلْني))، قلتُ: مرافقتك في الجنة، قال عليه السلام: ((أو غير ذلك؟)) قلتُ: هو ذاك؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((فأَعنِّي على ذلك بكثرة السجود))؛ [أخرجه مسلم].

ومنها أنَّ السجود يزيد الحسنات، ويحطُّ السيئات، ويرفع الدرجات

فعن معدان بن أبي طلحة اليعمري رضي الله عنه قال: لقيت ثوبانَ مَولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أخبرني بعملٍ أعمله يدخلني به الجنة، أو قال: قلت: بأحبِّ الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته، فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((عليك بكثرة السجود لله؛ فإنك لا تسجد لله سجدةً، إلا رَفَعَك الله بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة))، قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثل ما قال ثوبان؛ [أخرجه مسلم].

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما مِن عبد يسجد لله سجدةً إلا كَتَب الله له بها حسنة، وحطَّ عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة؛ فاستكثِروا من السجود))؛ [أخرجه ابن ماجه].

ومنها أنَّ السجود من أسباب رحمة الله لعبده.

 قال الله جل جلاله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾ [الفرقان: 60] قال العلامة العثيمين رحمه الله السجود من أسباب الرحمة؛ ولهذا قال: ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ﴾ [الفرقان: 60] سواء السجود العام أو السجود الخاص؛ فإنه من أسباب الرحمة؛ ولهذا لم يقل: اسجدوا لله، بل قال: ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ﴾ ؛ يعني: لتصلوا إلى رحمة هذا المسجود له.

ومنها أنَّ السجود موضعُ استجابةٍ للدعاء؛ 

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأمَّا الركوع، فعظِّموا فيه الرب، وأمَّا السجود، فاجتهِدوا في الدعاء؛ فقَمِنٌ أن يستجاب لكم))؛ [أخرجه مسلم].

ومنها أنَّ العبد أقرب ما يكون مِن ربِّه وهو ساجد؛ 

قال الله عز وجل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 17 - 19]، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((أقربُ ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد؛ فأكثِروا فيه الدعاء)[أخرجه مسلم]

قال العلامة ابن القيم رحمه الله:الصلاة.فيها من مناجاة مَن لا تقر العيون ولا تطمئنُّ القلوب،ولا تسكنُّ النفوس إلا إليه، والتنعُّم بذكره، والتذلُّل والخضوع له والقرب منه، ولا سيما في حال السجود، وتلك الحال أقرب ما يكون العبد من ربِّه فيها".

وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "السجود هو أعظم ما يظهر فيه ذلُّ العبد لربِّه عز وجل؛حيث جعل العبدُ أشرَفَ ما له من الأعضاء، وأعزَّها عليه، وأعلاها حقيقة - أوضَعَ ما يمكنه، فيضعه في التراب مُتعفِّرًا، ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه، وخشوعه لله عز وجل ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك أن يُقرِّبه الله عز وجل

وفرق كبير وبَوْن شاسع بين مَن يكون في أفضل الأوقات في ثلث الليل الأخير، ساجدًا لله، خائفًا ذنوبَه، خاشيًا ربَّه، راجيًا رحمته وعفوه، فهو في لذَّة وسعادة، وبين مَن هو في لهو وغفلة؛ قال الله عز وجل: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9].

 ومَن ضاق صدرُه، وكثُر همُّه، وأحزَنَه الناس، فليشتغل بذكر ربِّه، وليُكثر من الصلاة والسجود والدعاء، وليبشر بكلِّ خير؛ فالحزن يزول بسجدة؛ قال عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴾ [الحجر: 97، 98]؛ قال الإمام ابن عطية الأندلسي رحمه الله: وقوله: ﴿ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴾ [الحجر: 98] يريد من المصلِّين، فذكَرَ من الصلاة حالة القرب من الله تعالى وهي السجود وهي أكرم حالات الصلاة وأقمنها بنيل الرحمة، وفي الحديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزَبَه أمرٌ فزع إلى الصلاة).

ومن لم يتبيَّن له الصواب، ولم يظهر له الحقُّ، فليُكثر من التضرُّع ساجدًا لله؛ فقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: ربما طالعت على الآية الواحدة نحوًا من مائة تفسير، ثم أسأل الله الفَهم، وأقول: يا معلِّم إبراهيم علِّمني، وكنت أذهب للمساجد المهجورة ونحوها أمرِّغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلِّم إبراهيم فهِّمني.

ومَن أكثرَ من السجود لله، وأحسن فيه، استنار وجهه؛ قال الله عز وجل: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾ [الفتح: 29]؛ قال بعض السلف رحمهم الله: مَن كثرت صلاتُه بالليل حسُن وجهه بالنهار، قال السدي رحمه الله: الصلاة تُحسِّن وجوهَهم.

لقد تمنَّى أناسٌ الموتَ وهم سجود، ودعوا الله أن يرزقَهم ذلك، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في ترجمة أحمد بن مظفر بن أبي محمد بن مظفر بن بدر بن

حسن بن مفرج بن بكار النابلسي رحمه الله: كان يقول: أشتهي أنْ أموت وأنا ساجد، فرَزَقَه اللهُ ذلك.

 

وممن منَّ الله عليهم فماتوا وهم سجود لله:

♦ الإمام المبارك بن سعيد الثوري رحمه الله (ت180) - أخو الإمام سفيان.

♦ الشيخ عبدالعزيز بن أبي حازم رحمه الله (ت 185).

♦ الشيخ نصر بن علي بن نصر بن علي بن صهبان رحمه الله (ت250).

♦ الشيخ ابن أبي شجاع؛ يعرف: بابن الثلجي رحمه الله (ت266).

♦ الشيخ أبو عقال علوان بن الحسن رحمه الله (ت296).

♦ الشيخ يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن عيسى البختري رحمه الله (ت322).

♦ الشيخ أحمد بن علي بن الحسن بن محمد الدقاق رحمه الله (ت474).

♦ الشيخ محمد بن الحسين المزرقي رحمه الله (ت527).

♦ الشيخ عفر بن الحسن الأذربيجاني رحمه الله (ت506).

♦ الشيخ محمد بن الحسين بن علي الشيباني الحاجي رحمه الله (ت 526).

♦ الشيخ علي بن المسلم بن محمد بن علي بن الفتح السلمي رحمه الله (ت533).

♦ الشيخ يحيى بن محمد بن هبيرة رحمه الله (ت 560).

♦ الشيخ عبدالرحيم بن نصر بن يوسف بن مبارك البعلبكي رحمه الله (ت656).

♦ الشيخ سعد بن عثمان بن مرزوق بن حميد سلامة القرشي رحمه الله (ت592).

♦ الشيخ أحمد بن مظفر بن أبي محمد بن مظفر بن مفرج رحمه الله (ت758).

♦ الشيخ محمد بن أحمد بن محمد؛ يعرف بابن الخلال رحمه الله (ت867).

♦ الشيخ محمد بن عبداللطيف بن محمد بن علي الباهلي رحمه الله (ت1278).

♦ الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن محمد بن سالم الضويان رحمه الله (ت 1358).

♦ الشيخ عبدالحميد كشك رحمه الله (ت 1417).

السجود لله جلَّ جلاله قُربٌ منه، وقُربة إليه، فليغتنم العبدُ هذا، وليكثر من الصلاة والسجود لله، وليدعُ بخيرَي الدنيا والآخرة، وليَبْكِ من خشية الله؛ قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: قرأ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه سورةَ مريم فسجد، وقال هذا السجود، فأين البُكيُّ؛ يريد: البكاء.

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: الإنسان ينبغي له أن يكون له مع الله تعالى صلة، فيبكي من خشية الله سبحانه وتعالى في سجوده.

اللهم إنَّا نسألك أن ترزقنا القيام بطاعتك، والقرب منك، وأن تُحسن خاتمتنا، وأن تجعلنا من أوليائك المتقين، وحزبك المفلحين، وعبادك الصالحين.

 كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 

الأدوية الإيمانية لإذهاب الهموم وتجليةالأحزان

بسم الله الرحمن الرحيم

الأدوية الإيمانية لإذهاب الهموم وتجليةالأحزان

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين... أما بعد:

فالمؤمن يحمد اللهعز وجلعلى كل قضاءه، لعلمه أن قضاء الله كله عدل، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (عدل فيَّ قضاؤك ) [أخرجه أحمد] والمؤمن يشكر الله،لعلمه أن قضاء الله له خير، قالعز وجل: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216]وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له) [أخرجه مسلم].

وإن مما يقضيه الله عز وجل على بعض عباده إصابتهم بالهموم والأحزان، ومن أُصيب بذلك فليعلم أن الله الكريم أراد به خيراً، لأنه لا ينفك عن ذنوب ومعاصي، أراد الله الرحيم أن يعجل له عقوبتها في الدنيا رحمة به، فعقوبات الدنيا مهما بلغت لا تقارن بأي حال من الأحوال بعذاب الآخرة،فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ( إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر، أمسك عنه بذنبه، حتى يُوافى به يوم القيامة ) [أخرجه الترمذي].

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: والغموم والهموم والأحزان والضيق، عقوبات عاجلة،وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: والعقوبة أنواع كثيرة: منها العقوبة بالنفس وذلك كالأمراض العضوية والنفسية.

 

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها، من العمل، ابتلاه الله بالحزن، ليكفرها عنه ) [أخرجه أحمد، والبزار،وحسنه السيوطي، وقال الهيثمي رواه أحمد والبزار وإسناده حسن] قال العلامة المناوي رحمه الله: الأحزان والأكدار في هذه الدار رحمة من العزيز الغفار.

وإصابة البعض بالهموم والأحزان، قد تكون خيراً له من جهة أنها قد تكون سبباً في توبته وإنابته لربه، فيُرزق محبته والأنس به، والفرار إليه، والتوكل عليه، فما أعظمها من نعمة أن يرزق العبد ذلك، وأن يتوب توبة نصوح من معاصيه وشهواته المُردية.

ومن أُصيب بالهموم والأحزان، فصبر ورضي، وحمد وشكر، وتضرع ودعا، وأخذ بالأدوية الإيمانية، التي فيها الشفاء من الهموم والأحزان،فبحول الله وقوته ما هي إلا مدة قليلة،وسيرى أن أحزانه قد انجلت، وأن همومه قد ذهبت،وسيجد انشراحاً في صدره، وطمأنينة في قلبه، وسروراً في نفسه.

وهذه طائفة من الأدوية الإيمانية، من كلام الله عز وجل، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام أهل العلم الربانين،أردت منها نفع نفسي، وإخواني المصابين بالهموم المستمرة، والأحزان الدائمة،فإن أصبتُ فيها، فالفضل لله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي المقصرة، ومن الشيطان، وأسال الله الكريم العفو والصفح، كما أسأله أن يعجل بالشفاء لكل مهموم ومحزون، وأن يجعل ما أصابه تكفيراً لذنوبه، ورفعةً في درجاته، وأن يلهمه الصبر والرضا على ما قدّر الله عليه، إنه سميع مجيب.

 

 

 


أسباب الإصابة بالهموم والأحزان

السخط وعدم الرضا بقضاء الله وقدره

العبد المؤمن مُبتلى في الحياة الدنيا، فلا بدَّ من وجود أحداث تصيب العبد بالهموم والأحزان، ابتلاءً وامتحاناً من الله عز وجل لعبده، من موت عزيز، أو مفارقة حبيب، أو خسارة مال، أو مرض بدن، أو تسلط شياطين جن، أو اعتداء شياطين إنس، ونحو ذلك من الآفات، قال الله عز وجل: { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 186] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: أي لا بدَّ أن يبتلى المؤمن، في شيءٍ من ماله، أو نفسه، أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء.

وقال الله عز وجل:{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } [البقرة: 155] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: أخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده أي يختبرهم ويمتحنهم... فمن صبر أثابه، ومن قنط أحلَّ به عقابه".

ومن لم يصبر، وتسخط، وتضجر، وتبرم، بما قدر الله عليه، فقد فتح على نفسه باب الهموم، والأحزان، والغموم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: السخط باب الهمِّ والغمِّ والحزن.

 

ترك طريق الخير والاستقامة

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: من.. عرف طريقاً موصلة إلى الله، ثم تركها، وأقبل على... شهواته ولذاته، وقع في آبار المعاطب، وأودع قلبه سجن المضايق، وعُذِّب في حياته عذاباً لم يعذِّب أحد من العالمين، فحياته عجز وغم وحزن،.. قد فرط عليه أمره، وشُتِّت عليه شمله، وأحضرت نفسه الغموم والأحزان... قد ترحلت أفراحه وسروره مدبرة، وأقبلت آلامه وأحزانه وحسراته مقبلة.

الإعراض عن ذكر الله وطاعته، وارتكاب الذنوب والمعاصي

قال الله عز وجل: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124] قال ابن كثير رحمه الله: أي ضنكاً في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره بل صدره ضيق حرج لضلاله وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، وقال ابن القيم رحمه الله: من أعرض عن ذكره الذي أنزله، فله من ضيق الصدر، ونكد العيش، وكثرة الخوف، وقال السعدي رحمه الله: بعض المفسرين يري أن المعيشة الضنك عامة في دار الدنيا بما يُصيب المعرض عن ذكر ربه من الهموم والغموم والآلام".

وكلما زاد إعراض الإنسان،كلما زادت همومه أكثر، فالكفار من أضيق الناس صدراً وأكثرهم حزناً وهماً، قال الله عز وجل: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا} [الأنعام: 125] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله قال السدي: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125] من ضيق صدره، وقال الإمام القرطبي رحمه الله: الكافر من ضيق صدره كأنه يريد أن يصعد إلى السماء وهو لا يقدر على ذلكوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد قيل إن قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية غماً وحزناً وقسوة وظلمة قلبوقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: هؤلاء الكفار... لا تظنوا أنّهم في نعيم والله إنَّهم في جحيمٍ، قلوبهم الآن ملأ من الجحيم، مهما زانت لهم الدنيا فهم في جحيم لكنهم يغرُّوننا بما يدعون أنهم فيه من النعيم ونظنُّ أن هذا حقيقة، وقال رحمه الله: المؤمن يحصل له من المعصية أثر سيء في نفسه حتى أن بعض الناس يضيق صدره.. وسببه معصيته.

ارتكاب الذنوب من أسباب الإصابة بالهموم والأحزان،قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من اتبع هواه.. يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان والآلام وضيق الصدر ما لا يعبر عنه، وقال الإمامابن الجوزي رحمه الله: متى رأيت معاقباً، فاعلم أنه لذنوب... وأنا أقول عن نفسي: ما نزلت بي آفة، من غم، أو ضيق صدر، إلا بزلل أعرفه، حتى يمكنني أن أقول: هذا بالشيء الفلاني.

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: ما يُجازي به المسيءُ من ضيق الصدر، وقسوة القلب، وتشتته وظلمته، وغمِّه وهمه وحزنه،هذا أمر لا يكاد من له أدنى حسٍّ وحياةٍ يرتاب فيه، وقال رحمه الله: الأوزار والخطايا تقبضُ الصدر، وتُضيقه... ومن عقوباتها ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلا خائفاً مرعوباً... فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه بين جناحي طائر، وقال رحمه الله: إن الله سبحانه وتعالى بحكمته وعدله،يُظهرُ للناس أعمالهم في قوالب وصور تُناسبها، فتارة بهموم، وآلام، وغموم، تحضرها نفوسهم، لا ينفكون عنها، وقال رحمه الله: انظر ما يعقب فرح الظفر بالذنوب، من أنواع الأحزان، والهموم، والغموم، وقال رحمه الله: ولو فتَّش العاصي عن قلبه، لوجده حشوه المخاوف، والانزعاج، والقلق، والاضطراب وإنما يواري عنه شهود ذلك سُكرُ الغفلة، والشهوة، فإن للشهوة سُكراً يزيد على سكر الخمر، وقال رحمه الله: الشهوةُ توجب ألماً و.. عقوبة و.. تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً، وقال رحمه الله: اشترك.. عقلاء كلّ أمة أن المعاصي والفساد توجب الهمَّ والغمَّ والخوف والحزن وضيق الصدر، حتى إن أهلها إذا قضوا منها أوطارهم وسئمتها نفوسهم ارتكبوها دفعاً لما يجدونه في صدورهم من الضيق والهم والغم.

 

 

الرغبة في الدنيا وزينتها وإيثارها على الآخرة

فمن أصبح وأمسى والدنيا همُّهُ، حَمَلَ من همومها وغُمومها وانكادها بقدر اهتمامه بها،فقد جلبت لمحبيها وعشاقها: الهموم قبل حصولها، والغموم في حال الظفر بها، والأحزان بعد فواتها أو فقدها، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: إنما تحصل الهموم والغموم والأحزان من... الرغبة في الدنيا والحرص عليها... ومحبُّ الدنيا لا ينفكُّ من ثلاث: همٍّ لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضي، وذلك أن محبها لا ينال منها شيئاً إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لها ثالثاً ) وقد مثل عيس ابن مريم عليه السلام مُحبّ الدنيا بشارب البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً... وهي كالسُّمِّ يأكله من لا يعرفه وهو حتفُه... فصاحب الدنيا كلما اطمئنَّ منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه.... سرورها مشوب بالحزن، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد... وأهل الدنيا وعُشاقها أعلم بما يقاسونه من العذاب وأنواع الألم في طلبها.

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: رأيت سبب الهموم والغموم: الإعراض عن الله عز وجل والإقبال على الدنيا، وكلما فات منها شيء وقع الغم لفواته".

 

 

 

 


آثار الهموم والأحزان

للهموم والأحزان آثار ضارة، على بدن الإنسان، وعقله، وعلى قلبه، وعلى نشاطه في طاعة الله، لا يدرك أبعادها إلا من أُصيب بها، أسأل الله الكريم أن يعجل بالشفاء لكل مهموم ومغموم، ومن آثارها:

آثارها على العقل

قال الإمام ابن حبان البستي رحمه الله: لا يجب للعاقل أن يغتم، لأن الغمَّ لا ينفع، وكثرته تزري بالعقل، ولا أن يحزن، لأن الحزن لا يرد المرزئه، ودوامه ينقص العقل.

آثارها على البدن

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: يهدم البدن: الهمّ والحزن.

آثارها على القلب

قال العلامة ابن القيم رحمه الله عن الحزن والهم: وهما يضعفان العزم، ويوهنان القلب، ويحولان بين العبد وبين الاجتهاد فيما ينفعه، ويقطعان عليه طريق السير، أو يُنكسانه إلى وراء، أو يعوقانه ويقفانه.... فهما حمل ثقل على ظهر السائر، وقال رحمه الله: الحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره.

آثارها في ضعف النشاط فيطاعة الله

وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: اشتغال خاطر العبد بالهموم، يكسر من نشاطه إلى الطاعة، ويثني من عزمه على الخير، ويقبض من عنان جواد سعيه إلى مراضي الله عز وجل.

وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: الحزن على ما مضي لا يفيد الإنسان بل يفتر عزيمته، ويقلق راحته ولا يستفيد منه بشيء".


اختلاف الناس في الأدوية المستخدمة لعلاج همومهم وأحزانهم

لكل مرضٍ شفاءولكل داءٍ دواء

عن أبي هريرة رضي الله عنهأن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنزل من داء إلا أنزل له شفاء ) [متفق عليه] وإذا أصاب الدواء الداء، برأ المريض بإذن الله عز وجل،، فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لكل داءٍ دواء، فإذا أُصيب دواء الداء، برأ بإذن الله عز وجل)[أخرجه مسلم] لكن ما كلّ أحدٍ يوفق لمعرفة طرق العلاج، وسبل الشفاء، فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاءً، علِمَه من علِمَه، وجَهِله من جَهِله)[أخرجه أحمد].

كلُّ من أُصيب بالهموم سعى لطلب الشفاء منها

كل من أحدٍ أُصيب بالهموم والأحزان سعى بكل وسيلة لطلب الشفاء منها، والناس في ذلك على أقسام: فمنهم من وفق في معرفة الأدوية الصحيحةللشفاء، ومنهم من أخطأ وضلَّ الطريق، ومنهم من خلط بينهما،قال الإمام ابن حزم رحمه الله: ليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهي،أحد يستحسن الهمَّ ولا يريد إلا طرحه عن نفسه... ولهذا يسعى كلُّ من أُصيب بالهمِّ لرفعه عن نفسه فطرد الهمِّ مذهب قد اتفقت عليه الأمم كلُّها مُذ خلق الله تعالى العالم... وقد تطلَّبتُ غرضاً يستوي الناس في استحسانه كلُّهم وفي طلبه فلم أجده إلا واحداً، وهو طرد الهمِّ، فلما تدبَّرتُهُ علمتُ أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط، ولا في طلبه فقط، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم.. وتباين هممهم وإراداتهم لا يتحركون حركة أصلاً إلا فيما يرجون به طرد الهم، ولا ينطقون بكلمة أصلاً إلا فيما يرجون به إزاحته عن أنفسهم فمن مخطئ وجهة سبيله، ومن مقارب للخطأ، ومن مصيب، وهو الأقل من الناس.

طلب الشفاء فيما حرم الله لا يزيد الهموم والأحزان إلا شدة

يخطئ من يطلب الخلاص من أحزانه وهمومه، في أمور محرمه،فهذه لم يجعل الله فيهاالشفاء، فاللهعز وجل لم يجعل الشفاء فيما حرم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيصلى الله عليه وسلم قال (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)[أخرجه البخاري] وهذه الأمور المحرمة قد تكون في سماعٍ للغناء والمعازف والموسيقي، أو في نظرٍ لمواد فاسدة ضارة مما تعرضه القنوات ووسائل الإعلام، أو في قراءة لكتب وصحف ومجلات رديئة، أو في سفرٍ وسياحةٍأوفي ذهابٍ لأماكن فيها تبرج وسفور واختلاط بين النساء والرجال، أو في ارتكابٍ للفواحش أوفي شربٍ للمسكرات أوفي تعاطي للمخدرات، ومن فعل ذلك فقد أهان نفسه وآلمها كلّ الألم من حيث أراد شفاءها، فالشيطان يوسوس للإنسان أن آلامه خفت قليلاً، وهي في الحقيقة تزيد وهو لا يشعر بذلك، فيعاود الكرة مرة أخرى لإزالة تلك الآلام بتلك الأمور فتعود أشدّ ما كنت، وهكذا.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: الهم.. والحزن... والغم.. هذه المكروهات... قد تنوع الناس في طرق أوديتها والخلاص منها، وتباينت طرقهم في ذلك تبايناً لا يحصيه إلا الله، بل كل أحد يسعى في التخلص منها بما يظن أو يتوهم أنه يخلصه منها، وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها لا يزيدها إلا شدة، كمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من أكبر كبائرها إلى أصغرها، وكمن يتداوى منها باللغو واللعب والغناء وسماع الأصوات المُطربة وغير ذلك، وكلهم قد أخطأ الطريق.

 

الأدوية الإيمانية لها تأثير عجيب في حصول الشفاء

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله: البر والتقوى يبسط النفس ويشرح الصدر بحيث يجد الإنسان في نفسه اتساعاً وبسطاً عما كان عليه قبل ذلك، فإنه لما اتسع بالبر والتقوى والإحسان بسطه الله وشرح صدره.

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: ها هنا من الأدوية التي تشفى من الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم، من الأدوية القلبية، والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على الله، والتوكل عليه، والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له، والصدقة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أدينها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء، ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا تجربته، ولا قياسه، وقد جربنا نحن، وغيرنا من هذا أموراً كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية، وقال: ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع والابتهال إلى الله والتوبة،ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية.

وقال الإمام ابن حزم رحمه الله: بحثتُ عن سبيلٍ موصلة على الحقيقة إلى طرد الهمِّالذي هو المطلب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الناس... فلم أجدها إلا في التوجه على الله عز وجل بالعمل للآخرة.. ووجدت العمل للآخرة. موصلاً على طرد الهم على الحقيقة.

وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: وأحياناً يكون الدواء بالدعاء أنجع بكثير من الدواء الحسي المادي.

وعن عطاء بن رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنه ألا أُريك امرأة من أهل الجنة؟ قلتُ: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أُصرعُ وإني أتكشف، فادعُ الله لي، فقال: ( إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يُعافيك ) فقالت: أصبرُ، فقالت: إني أتكشف، فادعُ الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها [أخرجه البخاري] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفي الحديث أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك... أعظم من تأثير الأدوية البدنية.

 

الشفاء في الأدوية الإيمانية لمن يتلقاها بالقبول

الشفاء من الهموم والأحزان في الأدوية الإيمانية، لكن لا ينتفعُ بها إلا من تلقاها بالقبول، فهي لا تُناسب إلا الأنفس الطيبة... فعدم انتفاع البعض بها، ليس قصور في الدواء، ولكن لفساد النفس، وعدم قبولها،فمنلم يجزم بفائدتها فلن ينتفع بها،قال العلامة ابن القيم رحمه الله: واعتبر.. بأعظم الأدوية والأشفية وأنفعها للقلوب والأبدان، والمعاش والمعاد والدنيا والآخرة وهو القرآن الذي هو شفاء من كل داء، كيف لا ينفع القلوب التي لا تعتقد فيه الشفاء والنفع، بل لا يزيدها إلا مرضاً إلى مرضها، وليس لشفاء القلوب دواء أنفع من القرآن".

 

 

 


الأدوية الإيمانية لعلاج الهموم والأحزان

تحقيق توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات

إفراد الله بالعبادة وحدة لا شريك له، يقي العبد من الخلود في النار في الآخرة، وهو الجالب للخير والسعادة في الدنيا،ومن أعظم أسباب شرح الصدر، وانجلاء الأحزان، وذهاب الهموم، ومن أعظم الأسباب التي تحفظ الإنسان من المخاوف التي تجلب ضيق الصدروالهموم والأحزان،قال العلامة ابن القيم رحمه الله: التوحيد من أقوى أسباب الأمن من المخاوف، والشرك من أعظم أسباب حصول المخاوف، وقال رحمه الله: التوحيد يفتح للعبد باب الخير، والفرح، وقال رحمه الله: أعظم أسباب شرح الصدر: التوحيد وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه، قال الله عز وجل: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22]وقال تعالى{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } [الأنعام: 125] فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلالة من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه".

وقال العلامة ابن عثيمين في تفسير قول الله تعالى: { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151]: من فوائد الآية الكريمة: إذا ثبت الرعب للكفار بسبب إشراكهم ثبت الأمن للمؤمنين بتوحيدهم، ويدل على هذا قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]... وكلما كان الإنسان أشدَّ إيماناً بالله وتوحيداً له كان أشد أمناً واستقراراً، وهذا شيء مُجرب.

 

والعبد إذا علم أن الله عز وجل هو المدبر لجميع الأمور، وأنه جل جلاله مالك الملك، يفعل في ملكه ما يشاء، له الربوبية على خلقه أجمعين، خلقاً وملكاً وتصرُّفاً وتدبيراً، لا معقب لحكمه، ولا راد لأمره، لا مانع لما أعطى، ولا مُعطى لما منع، ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن، وأنه يُقدّرُ على العباد ما يريد من نفع وضر، وأن العباد كلهم طوع تدبيره، لا خروج لأحد منهم عن نفوذ مشيئته وشمول قدرته، عند ذاك فإنه يُسلمُ أمره لربه، فينشرح صدره وتذهب همومه وتنجلي أحزانه،قال الشيخ عبدالعزيز بن محمد السدحان: إن من أعظم الأسباب لشرح الصدر وطرد الغم، بل هو أجل الأسباب وأكبرها: قوة التوحيد، وتفويض الأمر إلى الله تعالى، بأن يعتقد اعتقاداً جازماً لا شك فيه ولا ريب أن الله عز وجلوحده هو الذي يجلب النفع ويدفع الضر، وأنه تعالى لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، عدل في قضائه، يعطي من يشاء بعدله، ويمنع ويبتلي من يشاء بعدله، ولا يظلم ربك أحداُ، وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: فمن علم أن الله على كل شيء قدير، وأنه المتفرد بالاختيار والتدبير، وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه، وأنه أعلم بمصلحة العبد من العبد، وأقدر على جلبها وتحصيلها منه، وأنصح للعبد منه لنفسه، وأرحم به منه بنفسه، وأبرُّ به منه بنفسه، وعَلِمَ مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدي تدبيره خطوة واحدة، ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة، فلا متقدم له بين يدي قضائه وقدره ولا متأخر، فألقى نفسه بين يديه وسلم الأمر كله إليه، وانطرح بين يديه انطراح عبد مملوك ضعيف بين يدي ملك عزيز قاهر، له التصرف في عبده بما شاء، وليس للعبد التصرف فيه بوجه من الوجوه، فاستراح حينئذٍ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات.

وتوحيد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا،له أثر كبير في انشراح الصدر وجلاء الأحزان وذهاب الهموم، فمن كثرت عليه المصائب فأمن بأسماء الله عز وجل الحسنى، وعرف ما دل عليه الاسم من معنى، وما يتعلق به من آثار عند ذاك سوف تنجلي أحزانه وتذهب همومه وينشرح صدره،قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: فالحقيقة أن فلاح الإنسان وسعادته هو إيمانه وإقراره بأسماء الله تعالى وتعبده لله بها، وقال الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسنالبدر: إن العلم بأسماء الله وصفاته علم مبارك، كثير العوائد، غزير الفوائد، ومتنوع الثمار والآثار، ويتجلى لنا فضل هذا العلم وعظيم نفعه من خلال أمور عديدة، أهمها ما يلي: ... سابعاً: أن معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته تجارة رابحة، ومن أربحاها سكون النفس وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر.

فعلى العبد أن يكون محققاً للتوحيد بأقسامه الثلاثة، وعند ذاك سيجد أن أحزنه وهمومه انجلت وذهبت.

التوكل على الله

قال العلامة السعدي رحمه الله: متى اعتمد القلب الله، وتوكل عليه... ووثق بالله وطمع في فضله، اندفعت عنه بذلك الهموم والغموم... وحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور ما لا يمكن التعبير عنه... قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] أي كافيه جميع ما يهمه من أمر دينه ودنياه... فالمتوكل على الله... يعلم.. أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة، فيثق بالله ويطمئن لوعده فيزول همه وقلقه، ويتبدل عسره يسراً، وترحه فرحاً، وخوفه أمناً.

 

محبة الله جل جلاله

من أقوى ما يطرد الأحزان والهموم محبة الله جل جلاله، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: من أحب الله انكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كلِّ جانب، فإنه لا حزن مع الله أبداً، ولهذا قال تعالى حكاية عن نبيه أنه قال لصاحبه: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } [التوبة: 40] فدل على أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما له وللحزن، وقال رحمه الله: القلب خُلق لمعرفة فاطره، ومحبته، وتوحيده، والسرور به، والابتهاج بحبه، والرضي عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحبَّ إليه من كل ما سواه، وأرجى عنده من كل ما سواه، وأجل في قلبه من كل ما سواه، ولا نعيم، ولا سرور، ولا لذة، بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقده فقد غذاءه وصحته وحياته، فالهموم والغموم والأحزان، مسارعة من كل صوبٍ إليه، ورهن مقيم عليه... فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب... له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وقال رحمه الله: الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرحُ لصدر العبد من ذلك.... وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا من له حسّ به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشدَّ، كان الصدر أفسح وأشرح.

 

متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم

متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم بمقابلة أوامره بالامتثال، ونواهيه بالانكفاف، وأخباره بالتصديق، من أهم سبل الشفاء من الهموم والأحزان.

قال الله عز وجل: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } [الشرح: 1، 4]قال العلامة ابن القيم رحمه الله: شرح الله صدر رسوله أتمًّ الشرح، ووضع عنه وزره كل الوضع، ورفع ذكره كل الرفع، وجعل لأتباعه حظاً من ذلك، إذ كل متبوع فلأتباعه حظ ونصيب من حظ متبوعهم في الخير والشر، على حسب إتباعهم له، فأتبع الناس لرسوله صلى الله عليه وسلم، أشرحهم صدراً، وأوضعهم وزراً، وأرفعهم ذكراً، وكلما قويت متابعتُه، علماً، وعملاً، وحالاً، وجهاداً، قويت هذه الثلاثة، حتى يصير صاحبها أشرح الناس صدراً، وقال رحمه الله: المقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكمل الخلق في كل صفة، يحصلُ بها انشراح الصدر، واتساع القلب، وقُرةُ العين، وحياة الروح، فهو أكمل الخلق في هذا الشرح، والحياة، وقُرُّة العين، مع ما خُصَّ به من الشرح الحسي، وأكملُ الخلق متابعة له، أكملهم انشراحاً، ولذة، وقرة عين، وعلى حسب متابعته، ينالُ العبد من انشراح صدره، وقُرة عينه، ولذة روحه ما ينال، فهو صلى الله عليه وسلم على ذروة الكمال من شرح الصدر... ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من إتباعه".

فالذين لا يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم لهم نصيب وافر من الهموم والأحزان، فهم من أضيق الناس صدراً، وأظلمهم قلباً، وكلما بعدوا عن الإتباع كلما زادت تلك الظلمة وذلك الضيق، ويأتي على رأس هؤلاء المبتدعة، الذين يشرعون في دين الله ما ليس منه.

 

الرضا بقضاء الله وقدره

الإنسان في هذه الدنيا فلا بدَّ أن تأتيه ويحدث له أمور، لا يحبها فينبغي للعبد أن يصبر ويرضى، بما قدر الله وقضى، قال الله عز وجل: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] قال علقمة رحمه الله: هو الرجل تُصيبُهُ المُصيبةُ، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويُسلِّم، وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: من آمن بالله، علم أن التقدير من الله، فيرضي ويُسلِّم، فإذا علم أن المصيبة من الله اطمأن القلب وارتاح، ولهذا كان من أكبر الراحة والطمأنينة الإيمان بالقضاء والقدر".

وإن كان الأمر يستوجب حزناً، فيكون حزنه بما يوافق الشرع، من دمع العين، وحزن القلب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم: (تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزنون) [متفق عليه].

وإن كان الأمر الذي آلمه، بسبب فقد حبيب، فليعلم أن حبيبه انتقل إن كان من أهل السعادة، إلى دار خير من هذه الدار، قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: ما زالت على عادة الخلق في الحزن على من يموت من الأهل والأولاد، ولا أتخايل إلاَّ بلى الأبدان فأحزن لذلك، فمرت بي أحاديث قد كانت تمرُّ بي ولا أتفكر فيها، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما نفس المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرده الله عز وجل إلى جسده يوم يبعثه ) فرأيت أن الرحيل إلى الراحة، وأن هذا البدن ليس بشيء، لأنه مركب تفكك وفسد، وسيبني جديداً يوم البعث فلا ينبغي أن يتفكر في بلاه، ولتسكن النفس إلى أن الأرواح انتقلت إلى راحة فلا يبقي كبير حزن، وأن اللقاء للأحباب عن قرب... وذكر تنعم الأرواح.. فإن الفكر في تحقيق هذا يهون الحزن ويسهل الأمر.

 

الإيمان والعمل الصالح

قال اللهعز وجل: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62] الإيمان والعمل الصالح أكبر جالب للسرور وطارد للهموم، قال الله عز وجل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] قال العلامة السعدي رحمه الله: أخبر تعالى ووعد، من جمع بين الإيمان والعمل الصالح، بالحياة الطيبة في هذه الدار، وبالجزاء الحسن في هذه الدار، وفي دار القرار، وسبب ذلك واضح، فإن المؤمنين بالله الإيمان الصحيح، المثمر للعمل الصالح، المُصلح للقلوب، والأخلاق، والدنيا والآخرة، معهم أصول وأسس يتلقون بها جميع ما يرد عليهم من أسباب السرور والابتهاج، وأسباب القلق والهم والأحزان... يتلقون المحاب والمسار بقبول لها، وشكر عليها، واستعمال لها فيما ينفع... ويتلقون المكارة والمضار والهم والغم بالمقاومة لما يمكنهم مقاومتهم، وتخفيف ما يمكنهم تخفيفه، والصبر الجميل لما ليس لهم عنه بد".

وقال الله جل جلاله: { فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام: 48] قال العلامة ابن عثيمين رحمه اللهقوله: {وَأَصْلَحَ }أي أصلح العمل وإصلاح العمل لا يتم إلا بأمرين: الإخلاص لله... المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم... ومن جمع بين هذين الوصفين الإيمان والإصلاح فليبشر أنه لا خوف عليه ولا حزن.

قال الله عز وجل: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112] قال ابن عثيمين رحمه الله: من فوائد الآية: انتفاء الخوف والحزن لمن تعبد الله سبحانه وتعالى بهذين الوصفين وهما الإخلاص والمتابعة.

 

الصلاة بخشوع وطمأنينة

قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 277] قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: أي أتوا بها قويمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها، وعطفها على العمل الصالح من باب عطف الخاص على العام، لأن إقامة الصلاة من الأعمال الصالحة، ونُص عليها لأهميتها".

وكان الرسولصلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى. [أخرجه أبوداود]قال الإمام ابن الأثير الجزري رحمه الله: أي إذا نزل به مُهم أو أصابه غم".

وكان صلى الله عليه وسلم يقول: (قُم يا بلال فأرحنا بالصلاة ) [أخرجه أبوداود] قال العلامة ابن القيم رحمه الله: من علامات صحة القلب... أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همُّه وغمُّه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها ووجد فيها راحته ونعيمه وقُرَّة عينه وسرور قلبه، وقال: الصلاة شأنها في تفريح القلب وتقويته وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن، وقال: للصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا ولاسيما إذا أُعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطناً، فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة، ولا استجلبت مصالحهما بمثل الصلاة، وسرُّ ذلك أن الصلاة صلة بالله عز وجل، وعلى قدر صلة العبد بربه عز وجلتفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتُفيضُ عليه مواد التوفيق من ربه عز وجل، والعافية والصحة... والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات... فالصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد الدنيا والآخرة... وهي دافعة لأدواء القلب، ودافعة للغُمَّة، وقال رحمه الله: فلا شيء أهمّ عليه من الصلاة، كأنه في سجن وضيق وغم، حتى تحضر الصلاة، فيجد قلبه قد انفسح وانشرح واستراح".

ومن طالت أحزانه وكثرت همومه فليصلي، قال الله عز وجل: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: من فوائد الآية: أنه إذا طالت أحزانك فعليك بالصبر والصلاة.

 

كثرة ذكر الله عز وجل

كثرة ذكر الله، يجلو الأحزان، ويذهب الهموم، ويزيل الغموم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: الذكر يزيل الهم، والغم عن القلب، ويجلب للقلب الفرح، والسرور، والبسط، ويُقوَِي القلب، والبدن، والذكر يُفَرِّق ما اجتمع عليه، من الهموم، والغموم، والأحزان، وما استجلبت نعم الله عز وجل، واستدفعت نقمه، بمثل ذكر الله تعالى، فالذكر جلاّب للنَّعم، دفّاع للنقم، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا } [الحج: 38] وفي القراءة الأخرى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ } فدفعُه ودفاعه عنهم، بحسب قوة إيمانهم وكماله، ومادة الإيمان وقُوتُه، بذكر الله تعالى، فمن كان أكمل إيماناً، وأكثر ذكراً، كان دفع الله تعالى عنه ودفاعه أعظم... وذكر الله يُذهبُ عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد أشتدَّ خوفه، أنفع من ذكر الله عز وجل، فإنه بحسب ذكره، يجد الأمن ويزول خوفه، وقال رحمه الله: ومن أسباب شرح الصدر: دوام ذكره على كل حال، وفي كل موطن، فللذكر تأثير عجيب، في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثير عجيب، في ضيقه، وحبسه، وعذابه، وقال العلامة السعدي رحمه الله: من أكبر الأسباب لانشراح الصدر، وطمأنينة القلب، الإكثار من ذكر الله،فإن لذلك تأثيراً عجيباً، في انشراح الصدر، وطمأنينته، وزوال همه، وغمه، قال الله عز وجل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]: أي يزول قلقها، واضطرابها، وتحضر أفراحها ولذاتها.

 


 

التوبة من جميع الذنوبوالمعاصي

الذنوب لها عقوبات عاجلة وآجلة، منها ما يصيب العبد من مصائب وبلايا، في نفسه، وولده، وأهله، وماله، ومنها الهموم والأحزان،فالتوبة من جميع الذنوب والمعاصي،من أهم أسباب ذهاب الهموم، وانجلاء الأحزان،قال أحد السلف ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.

والحمد لله باب التوبة مفتوح، والله الكريم يقبل توبة عبده مهما عظمت ذنوبه وكثرت، قال الله عز وجل: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: هذا عام في جميع الذنوب، من كفر، وشرك، وشك، ونفاق، وقتل، وفسق، وغير ذلك".

فمن أراد الشفاء من أحزانه وهمومه، فعليه بالتوبة النصوح من جميع الخطايا والذنوب، فالتوبة فيها راحة مما يقلق النفس، من شعورها بالذنب، تجاه ما ترتكبه من معاصي، يقول الدكتور محمد عبد الفتاح المهدي الطبيب النفسي، نقلاً عن الدكتور محمد عثمان نجاتي الطبيب النفسي: التوبة إلى سبحانه وتعالى.. تقوى في الإنسان الأمل في رضوان الله، فتخف حدة قلقه، ثم أن التوبة تدفع الإنسان عادة إلى إصلاح الذات وتقويمها حتى لا يقع مرة أخرى في الأخطاء والمعاصي، ويساعد ذلك على زيادة تقدير الإنسان لنفسه... ورضائه عنها، ويؤدى ذلك إلى بثِّ الشعور بالأمن والطمأنينة في نفسه، ويقول نقلاً عن الدكتور مصطفى فهمي: التوبة تفتح أمام الإنسان... الأمل.. وهذا الأمل يجعله يشعر بالراحة النفسية، والنظر إلى الحياة نظرة مختلفة، يسودها التفاؤل بعد أن كانت نظرته كلها تشاؤم وخوف ومرارة.

 

الاعتصام بالله من الشيطان الرجيم

الشيطانعدو للإنسان،قال الله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6] فهو عدو لا يكل ولا يملُّ، في إعلان حربه على الإنسان، بوسائل وطرق متعددة، هادفاً أن يكون الإنسان معه في الآخرة في نار جهنم، وأن يكون إنساناً ضالاً في دنياه، ومن مظاهر عداوته محبتهإدخال الهموم والأحزان على الإنسان، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: لا شيء أحبُّ إلى الشيطان من حزن المؤمن،وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: الشيطان حريص على إدخال القلق والحزن على الإنسان بقدر ما يستطيع، وقال رحمه الله: الشيطان دائماً يحب من بني آدم أن يحزنوا ويغتموا وتضيق بهم الأمور، قال الله عز وجل: { إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا } [المجادلة: 10] يود أن يلقي الحزن والهم والغم على الإنسان حتى لا ينشرح صدره، ولا يطمئن له بال".

والشيطان كما يتسلط على الإنسان في يقظته، فإنه يتسلط عليه في منامه،فيُريهُ أحلام مزعجة، مرعبة،لإخافته، وإحزانه،فعن جابربن عبدالله رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت في المنام كأن رأسي قُطع! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يُحدث به الناس) [أخرجه مسلم] وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (الرؤيا ثلاثة منها تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم) [أخرجه ابن ماجه].

فليتنبه العبد لمداخل الشيطان عليه، وليعلم أن الاسترسال مع الوساوس، لها دور كبير في وجود الأحزان، والهموم، فعليه عدم الاستسلام لها، يُعينه على ذلككثرة ذكر الله، التي تطرد الشياطين، فتذهب عند ذاك همومه، وتنجلي أحزانه.

 

الصبر وانتظار الفرج

الصبر مع الصلاة من أعظم ما يعين العبد المؤمن على مواجهة ما يصيبه من بلاء، من أحزان وهموم وغيرها، قال الله عز وجل{ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } [البقرة: 45] وقال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: بيّن تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب الصبر والصلاة".

فلا بدَّ من الصبر، فنبي الله يعقوب عليه السلامفقد ابنه نبي الله يوسف،حيث كاد له أخوته وألقوه صغيراً في البئر، فصبر وانتظر فرج الله، وقال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 83]والصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى فيه، وقد اختلف المفسرون في المدة التي قضاها نبي يعقوب عليه السلامصابراً منتظراً فرج الله فأوصلها بعضهم لثمانين سنة.

ونبي الله أيوب عليه السلام غاية في الصبر، وبه يضرب المثل، فقد ابتلي في ماله، وولده، وجسده، ولم يبق منه سليم سوى قلبه، ولسانه، فصبر، قال الله عز وجل عنه: }{إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44]وقد قيل أنه استمر صابراً على البلاء الذي أصابه نحو من ثماني عشرة سنة، حتى أتاه الفرج من أرحم الراحمين، قال الله عز وجل: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [ص: 43] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: {وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [ص: 43]: أي لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة.

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: للبلايا نهايات معلومة عند الله عز وجل، فلا بد للمبتلى من الصبر، إلى أن ينقضي أوان البلاء، فإن تقلقل قبل الوقت، لم ينفع التقلقل،فاستعجال زوال البلاء مع تقدير مدته لا ينفع... فللبلايا أوقات ثم تنصرم".

احتساب الأجر

من رحمة رب العالمين بعباده المؤمنين أنه جل جلاله يبتليهم ليكون ذلك البلاء خيراً لهم، وليس ذلك لأحدٍ غيرهم، فعن صُهيبرضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمرهُ كلّهُ لهُ خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابتهُ سراءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابتهُ ضراءُ صبر فكان خيراً له) [أخرجه مسلم].

فإذا ابتلي المسلم بالهموم والأحزانفليحتسب الأجر فيها،فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما يُصيبُ المسلم من نصب، ولا وصب، ولا همٍّ، ولا حزن، وأذى، ولا غمِّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه ) [متفق عليه] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: الكفارة صيغة مبالغة من التكفير، وأصله التغطية الستر، والمعنى هنا أن ذنوب المؤمن تتغطى بما يقع له من ألم المرض.

وقد سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا لنجازي بكل سوءٍ نعمله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ( يرحمك الله يا أبا بكر ألست تنصب ؟ ألست تحزن ؟ ألست تصيبك اللأواء ؟ فهذا ما تجزون به) [أخرجه أحمد].

وعن أبي بردة رضي الله عنه قال دخلت على معاوية فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما من أذى يصيبُ المؤمن في جسده إلا كان كفارة لخطاياه) [أخرجه أحمد].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة) [أخرجه الحاكم] قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: الواجب على الإنسان عند المصائب أن يصبر على ما أصابه، ويعلم أن هذه المصيبة إنما كانت لأعمال سيئة يريد الله سبحانه وتعالى بهذه المصيبة أن يكفِّر عنه.

 

تقوى الله عز وجل

تقوى الله من أكبر أسباب تفريج الكروب، من هم، وغم، وحزن، ونحوها، قال الله عز وجل: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } [الطلاق: 2، 3]قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: قال: ابن مسعود: إن أكبر آية في القرآن فرجاً: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا }وعن ابن عباس ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة.

وقال الله سبحانه وتعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: أي يسهل له أمره وييسره عليه ويجعل فرجاً قريباً ومخرجاً عاجلاً.

وقال اللهعز وجل{فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف: 35]فمن اتقى ما حرم من الشرك الأكبر والأصغر، والذنوب كبيرها وصغيرها، وأصلح أعماله الظاهرة والباطنة، انتفى عنه الخوف والحزن، وذهبت همومه وغمومه، وحصلت له السعادة والفرح والسرور.

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: الغالب أنه لا ينزل به شدة إلا إذا انحرف عن جادة التقوى، فإما الملازم لطريق التقوى فلا آفة تطرقه، ولا بلية تنزل به، هذا هو الأغلب، فإن وجد من تطرقه البلايا مع التقوى، فذاك في الأغلب لتقدم ذنب يجازي عليه، وقال رحمه الله: ضاق بي أمر أوجب غماً لازماً دائماً، وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم، بكل حيلة وبكل وجه، فما رأيت طريقاً للخلاص فعرضت لي هذه الآية: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } [الطلاق: 2]فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كلِّ غمِّ فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى فوجدت المخرج.

 

الدعاء بتضرع وإلحاح

الدعاء من أنفع الأدوية لدفع الأحزان والهموم قبل وقوعها، فعن أنس رضي الله عنه قال: كنتُ أخدم النبي صلى الله عليه وسلم فكنتُ أسمعهُ يكثر أن يقولُ: ( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبُخل والجُبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال ) [متفق عليه].

والدعاء من أنفع الأدوية الإيمانية لزوال الهموم وذهاب الأحزان بعد وقوعها، فالإنسان عندما يبثّ همومه وأحزانه لعبد مثله يحسّ براحة وهدوء نفسي، مع أن المبثوث له عبد مثله، لا يملك شيئاً، فكيف بمن يلجأ إلى مالك السموات والأرض جل جلاله، من بيده مفاتيح الشفاء والفرج، لا شك أنه سوف سيجد كل خير، وستزول همومه، وتذهب أحزانه، قال الله عز وجل: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 87، 88] قال الإمام الشنقيطي رحمه الله: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88] يدل على أنه ما مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعياً بإخلاص، إلا نجاه الله من ذلك الغم، ولا سيما إذا دعا بدعاء يونس هذا، وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دعاء يونس المذكور: ( لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له ) رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم وغيرهم، والآية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية".

المحزون ينبغي له بثُّ همومه لخالق الخلق، كما فعل يعقوب عليه السلام، قال الله عز وجل:{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف: 86] قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: ما أشكو همِّي وحزني إلا إلى الله".

ومن وفقه الله لقيام الليل، والناس نيام، فصلى ما تيسر له، ودعا ربه متضرعاً خائفاً وجلاً، فحري أن تذهب همومه وأحزانه، فالحزن يزول بسجدة والفرح يأتي بدعوة، يذكر الشيخ عبدالله العنزي في كتابه "أفزع إلى الصلاة"قصة خال الشيخ عبدالعزيز العقل، وكان رجلاً صالحاً يقول عن نفسه: كنتُ منذ أن ولدت أعمى، دميماً، قصيراً، فقيراً، ووالدي فقير، وأمي فقيرة، كنت مشتاقاً للزواج، فجئت إلى والدي، وقلت: إني أريد الزواج، فضحك، وقال: هل أنت مجنون ؟ من الذي سيزوجك ؟ أنت أعمى ونحن فقراء، والحقيقة أن والدي ضربني بكلماته، فذهبت إلى والدتي أشكو لها الحال، وكدت أبكى عند والدتي، فإذا بها مثل الأب، وفي ليلة من الليالي قلت لنفسي: عجباً لي أين أنا من ربي أرحم الراحمين ؟ أنكسر أمام أمي وأبي، وهم عجزة، لا يستطيعون شيئاً، ولا أقرع باب إلهي، القادر، المقتدر، فصليت في آخر الليل، ورفعت يدي إلى الله عز وجل،فقلت: إلهي وسيدي ومولاي.. لا إله إلا أنت، تعلم ما في نفسي من وازع إلى الزواج وليس لي حيلة ولا سبيل... اعتذر أبي لعجزه، وأمي لعجزها، اللهم أنهم عاجزون، وأنا أعذرهم لعجزهم، وأنت الكريم الذي لا تعجز.. يا أكرم من دعي.. يا أرحم الراحمين قيّض لي زواجاً مباركاً، صالحا، طيباً، عاجلاً، تريح به قلبي، وتجمع به شملي، كنت أدعو وعيناي تبكيان، وقلبي منكسر بين يدي الله عز وجل، وقد كنت مبكراً بالقيام، وبعد الصلاة والدعاء، نعست فرأيت في المنام أنني في مكان حار كأنه لهب نار، وبعد قليل إذا بخيمة نزلت علي من السماء خيمة لا نظير في جمالها وحسنها حتى نزلت فوقي وغطتني... فاستيقظت وأنا مسرور من الرؤيا، فسألت معبر للرؤيا عنها، فقال: أذهب وانظر أطيب بنت في خاطرك، واخطبها فإن الباب مفتوح لك.. ففكرت في فلانة وهي معروفة بالجمال وطيب الأصل، فخطبتها، فوافقوا وتزوجتها.

 

قراءة القران وسماعه بتدبر وقبول

القرآن شفاء من كل داء، قال اللهعز وجل: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] وقالعز وجل: { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44] قال العلامة ابن القيم رحمه الله: فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن... فتبارك من جعل كلامه شفاءً لصدور المؤمنين، وحياةً لقلوبهم، ونوراً لبصائرهم، وغذاءً لقلوبهم، ودواءً لسقامهم".

القرآن من أعظم أسباب ذهاب الهم الحزن فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أصاب عبداً هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسالك بكل اسمٍ هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حُزني، وذهاب همِّي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً وسروراً)[أخرجه أحمد] قال ابن القيم رحمه الله: لما كان الحُزنُ والهمُّ والغمُّ يُضادُ حياة القلب واستنارته، سأل أن يكون ذهابها بالقرآن فإنها أحرى أن لا تعود، وأما إن ذهبت بغير القرآن من صحةٍ أو دنيا أو جاه أو زوجةٍ أو ولدٍ، فإنها تعود بذهاب ذلك، وقال: كتاب الله هو الشفاء النافع، وهو أعظم الشفاء... فعلى العبد أن يرتع قلبه في رياض القرآن وأن يتعزى به عن كل مُصيبة، ويستشفي به من أدواء صدره، فيكون جلاء حزنه وشفاء همه وغمه، وقال: سورة الفاتحة... الشفاء التام والدواء النافع والرقية التامة. ودافعة الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها وأحسن تنزيلها على دائه وعرف وجه الاستشفاء والتداوي بها.

 

ملازمة الاستغفار

عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل همٍّ فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب) [أخرجه أبو داود] فمن لزم الاستغفار، زالت همومه، وانجلت أحزانه، وجعل الله مخرجاً مما أصابه، من ضيق صدر، قال الإمام الشوكاني رحمه الله: في الحديث فضيلة عظيمة، وهي أن الاستكثار من الاستغفار، فيه المخرج من كل ضيق، والفرج من كل همِّ، وحصول الأرزاق، من حيث لا يحتسب، فمن حصل له ذلك، عاش في نعمة سالماً من كل نقمة، وقال الإمام السهارنفوري رحمه الله: ( من كل ضيق ) أي شدة ومحنة، ( فرجاً ) أي خلاصاً، وقال الإمام محمد أشرف العظيم آبادي رحمه الله: ( مخرجاً ) أي طريقاً وسبباً يُخرجُ إلى سعة ومنحة، وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: الإنسان إذا لزم الاستغفار، جعل الله من كُلِّ همٍّ فرجاً، ومن كُلِّ ضيقٍ مخرجاً.


 

رؤية نعم الله الظاهرة والباطنة

قال العلامة السعدي رحمه الله: التحدث بنعم الله الظاهرة، والباطنة... يدفع الله به الهم، والغم، ويحثّ العبد على الشكر، الذي هو أرفع المراتب، وأعلاها، حتى ولو كان العبد في حالة فقر، أو مرض، أو غيرهما، من أنواع البلايا، فإنه إذا قابل بين نعم الله عليه،التي لا يحصى لها عد، ولا حساب، وبين ما أصابه من مكروه، لم يكن للمكروه إلى النعم نسبة.... وكلما طال تأمل العبد بنعم الله الظاهرة والباطنة، الدنية والدنيوية، رأى ربه قد أعطاه خيراً كثيراً، ودفع عنه شروراً متعددة، ولا شك أن هذا يدفع الهموم والغموم، ويوجب الفرح والسرور.

 

الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال: (ما شئت) قلت: الربع ؟ قال: (ما شئت، فإن زدت فهو خير لك) قلت: النصف ؟ قال: (ما شئت، وإن زدت فهو خير لك) قلتُ: فالثلثين ؟ قال: (ما شئت، فإن زدت فهو خير لك ؟) قُلتُ: أجعلُ لك صلاتي كُلها ؟ قال: (إ ذاً تُكفى همَّك، ويُغفرُ لك ذنبك) [أخرجه الترمذي] قال العلامة ابن القيم رحمه الله: من الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أنها سبب لكفاية اللهالعبد ما أهمَّه، وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: قوله: جعلتُ لك صلاتي كلها، المراد بالصلاة هنا الدعاء، ومن جملته الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس المرد الصلاة ذات الأذكار والأركان، وقوله: ( إذن تكفى همك، ويغفر ذنبك ) في هذين الخصلتين جماع خير الدنيا والآخرة، فإن من كفاه الله همه سلم من محن الدنيا وعوارضها، لأن كل محنة لا بدّ لها من تأثير الهم، وإن كانت يسيرة.

 

أكل التلبينة

أكلُ التلبينة يٌخفف الحزن، فعن عائشة رضي الله أنها كانت تأمرُ بالتلبينة للمريض، وللمحزون على الهالك، وتقول أن النبيصلى الله عليه وسلم يقول: (إن التلبينة تجمُّ فؤاد المريض، وتذهبُ ببعض الحزن ) [أخرجه البخاري] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: التلبينة حساء يعمل من دقيق أو نخاله ويجعل فيه عسل، ( تجمُّ): المعنى أنها تريح فؤاده، وتُزيلُ عنه الهم، وتنشطه".

وقد ذكر أحد الرقاة أنه نصح بها كثيراً من المحزونين والمكتئبين والمهمومين، وأن غالب الحالات بفضل الله تم شفاؤها، خاصة إذا كانت الحالة في بداية الحزن.

طلب العلم المورث عن النبي صلى الله عليه وسلم

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: العلم.. يشرح الصدر، ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس، فكلما اتسع علم العبد، انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل علم، بل للعلم المورث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو العلم النافع، فأهله أشرحُ الناس صدراً، وأوسعهم قلوباً، وأحسنهم أخلاقاً، وأطيبهم عيشاً.

مجالسة الصالحين والابتعاد عن الوحدة

مما يخفف الهموم، ويذهبها، ويجلو الأحزان، ويطردها، مجالسة أهل العلم والخير، وسماع نصائحهم، وتوجيهاتهم، وعلى رأسهم العلماء، وطلبة العلم، فكم من همٍ أزالوه، قال يعقوب بن بختان: ولد لي سبع بناتٍ،فكنتُ كلَّما ولد لي ابنة، دخلتُ على أحمد بن حنبل فيقول لي: يا أبا يوسف، الأنبياء آباء بنات، فكان يُذهبُ قولُهُ همِّي.

ومات ولد لرجل من السلف، فعزاه الناس، وهو في حزن شديد، فجاءه الفضيل بن عياض رحمه الله فقال له: يا هذا أرأيت لو كنت وابنك في سجن، فأفرج عن ابنك قبلك، أما كنت تفرح ؟ قال: بلى، فقال الفضيل: فإن ابنك خرج من سجن الدنيا قبلك، فسري عن الرجل وقال: تعزيت"

قال الشيخ عبدالعزيز بن محمد السدحان: الاجتماع بالجلساء الصالحين والاستئناس بسماع حديثهم والاستفادة من ثمرات كلامهم وتوجيهاتهم، فالجلوس مع هؤلاء مرضاة للرحمن، مسخطة للشيطان، فلازم جلوسهم ومجالسهم، واطلب مناصحتهم ترى في صدرك انشراحاً وبهجة، ثم إياك والوحدة.. لا جليس لك ولا أنيس، خاصة عند اشتداد الأمور عليك، فإن الشيطان يزيد العبد وهناً وضعفاً إذا كان وحيداً.

 

الإحسان إلى الناس بالصدقات وتفريج الكروب

قال عز وجل: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] وقالعز وجل{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262] قال ابن عثيمين رحمه الله: الإنفاق يكون سبباً لشرح الصدر، وطرد الهم والغم لقوله تعالى: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } وهذا أمر مجرب مشاهد أن الإنسان إذا أنفق يبتغي بها وجه الله انشرح صدره، وسرت نفسه، واطمأن قلب، قال ابن القيم رحمه الله: المتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه وانفسح بها صدره وقوي فرحه وعظم سروره، وقال رحمه الله: من أسباب شرح الصدر الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكن من المال فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدراً وأطيبهم نفساً وأنعمهم قلباً والبخيل... أضيق الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً، وأعظمهم همّاً، وغمّاً، وقال السعدي رحمه الله: من الأسباب التي تزيل الهم والغم والقلق، الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل، وأنواع المعروف... وبها يدفعُ الله عن البر والفاجر الهموم والغموم بحسبها، ولكن للمؤمن منها أكمل الحظ والنصيب، ويتميز بأن إحسانه صادر عن إخلاص، واحتساب لثوابه، فيهون الله عليه بذل المعروف، لما يرجوه من الخير، ويدفعُ عنه المكارة، بإخلاصه واحتسابه، قال الله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]فأخبر تعالى أن هذه الأمور كلها خير ممن صدرت عنه والخير يجلب الخير ويدفع الشر وأن المؤمن المحتسب يؤتيه الله أجراً عظيماً ومن جملة الأجر العظيم زوال الهم والغم والأكدار ونحوها.

 

ترك فضول النظر والكلام والمخالطة

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة، والأكل، والنوم، هذه الفضول تستحيل آلاماً، وغموماً، وهموماً في القلب، تحصره وتحبسه، وتضيِّقهُ، ويتعذب بها، بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها، فلا إله إلا الله، ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة من هذه الآفات بسهم، وما أنكد عيشه، وما أسوأ حاله.

 

صيام النافلة

كثرة الصيام نفلاً يجلو الأحزان ويذهب الهموم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: الصوم جنة من أدواء الروح والقلب والبدن، منافعه تفوت الإحصاء، وله تأثير عجيب في حفظ الصحة... وفيه خاصية تقتضي إيثاره، وهي تفريحه للقلب عاجلاً وآجلاً.

 

العمل وترك البطالة والكسل

الكسل جالب للهموم والغموم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: ولهذا تجد الكُسالى أكثر الناس همًّا وغمًّا وحزناً، ليس لهم فرح ولا سرور، بخلاف أرباب النشاط، والجدِّ في العمل، وقال العلامة السعدي رحمه الله: ومن أسباب دفع القلق الناشئ عن توتر الأعصاب، واشغال القلب ببعض المكدرات: الاشتغال بعمل من الأعمال، أو علم من العلوم النافعة، فإنها تلهي القلب عن اشتغاله بذلك الأمر، الذي أقلقه، وربما نسي بسبب ذلك الأسباب التي أوجبت له الهم، والغم، ففرحت نفسه، وازداد نشاطه.. فكم من إنسان ابتلي بالقلق، وملازمة الأكدار، فحلت به الأمراض المتنوعة، فصار دواؤه الناجع: نسيان السبب الذي كدره، وأقلقه، واشتغاله بعمل من مهماته، وينبغي أن يكون الشغل الذي يشتغل فيه مما تأنس به النفس، وتشتاقه، فإن هذا أدعى لحصول هذا المقصود النافع، والله أعلم.

 

إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة

من أراد جلاء أحزانه وذهاب همومه فليتخلص من آفاته القلبية قال العلامة ابن القيم رحمه الله: من أسباب شرح الصدر... بل من أعظمها إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه، وتحول بينه وبين البُرء، فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره، ولم يُخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه، لم يحظ من انشراح صدره بطائل، وغايته أن يكون له مادتان تعتوران على قلبه، وهو للمادة الغالبة عليه منهما.

 

الجهادُ في سبيل الله

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنه باب من أبواب الجنة، يذهبُ الله به الهمَّ، والغمَّ)[أخرجه الطبراني في الأوسط] قال العلامة ابن القيم رحمه الله: فلو لم يكن في النضال إلا أنه يُزيل الهمَّ، ويدفع الغمَّ عن القلب، لكان ذلك كافياً في فضله، وقد جرَّب ذلك أهله، وقال رحمه الله: تأثير الجهاد في دفع الهم والغم أمر معلوم بالوجدان، فإن النفس متى تركت صائل الباطل وصولته واستيلاءه، اشتد همُّها وغمُّها وكربها وخوفها، فإذا جاهدته لله أبدل الله ذلك الهمِّ والحُزنَ فرحاً ونشاطاً وقوةً ،كما قال الله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 14، 15] فلا شيء أذهب لجوى القلب وغمه وهمِّه وحزنه من الجهاد.

 


وختاماً فإن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون،قال الله عز وجل: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62، 63]وأولياء الله المؤمنون المتقون، الذين جمعوا بين الإيمان بالله، وتقواه، واستقاموا على طاعة الله، وداموا على ذلك طيلة حياتهم،قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13]وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا، قال الله سبحانه وتعالى: { فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] قال الإمام البغوي رحمه الله: قيل: لا خوف عليهم في الدنيا، ولا هم يحزنون في الآخرة.

وهؤلاء تتنزل عليهم الملائكة، عند الموت، وغيره،ألا يخافوا، ولا يحزنوا، قال اللهسبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}[فصلت: 30]قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: الظاهر أن الملائكة تتنزلُ عليهم كُلما دعت الحالُ إلى النزول، عند الموت، وعند الخوف، وعند المعارك، وفي كل حالٍ تقتضي أن تنزل عليهم الملائكة عليهم.

وهؤلاء لا يشعرون بخوف أو حزن يوم القيامة، قال الله سبحانه وتعالى: {يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف: 68]قال العلامة السعدي رحمه الله: الله تعالى يناديهم يوم القيامة، بما يسر قلوبهم، ويذهب عنهم كل آفة وشر"

وهؤلاء إذا رحمهم الله وأدخلهم الجنة، فإنهم لا يشعرون فيها بخوف ولا بحزن، قال الله جل جلاله: }وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } [فاطر: 34] قال العلامة ابن القيم رحمه الله: قد نفي الله سبحانه عن أهل الجنة الخوف والحزن، فلا يحزنون على ما مضي، ولا يخافون مما يأتي، ولا يطيبُ العيش إلا بذلك"

اللهم اجعلنا من أوليائك، الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.

كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

المحتويات

المقدمة 3

آثار الهموم والأحزان 8

اختلاف الناس في الأدوية المستخدمة لعلاج همومهم وأحزانهم 9

الأدوية الإيمانية لعلاج الهموم والأحزان 12

وختاماً 28